الرسوم الجمركية.. سلاح ترامب ذو الحدين الذي ضرب جيوب المواطنين

الرسوم الجمركية.. سلاح ترامب ذو الحدين الذي ضرب جيوب المواطنين
الرسوم الأمريكية

في عالم الاقتصاد والسياسة الدولية، تُعد الرسوم الجمركية سلاحاً ذا حدين، وقد استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أداةً لفرض الهيمنة الاقتصادية وتهديد الخصوم التجاريين.

 إلا أن هذه السياسة التي بدت وكأنها خطوة استباقية لتعزيز الاقتصاد الأمريكي، انقلبت عليه بشكل غير متوقع، تاركةً وراءها آثاراً سلبية عميقة في الاقتصاد الأمريكي، وخاصة على وول ستريت، الشركات الكبرى، والمواطن العادي الذي يعاني تبعات ارتفاع الأسعار والضرائب.

بدأ ترامب حربه التجارية بفرض رسوم جمركية على الواردات من الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، مدعياً أن هذه الخطوة ستُعيد التوازن إلى الميزان التجاري الأمريكي وتحمي الصناعات المحلية، لكن النتائج كانت بعيدة كل البعد عن التوقعات. 

وفقاً لتحليل أجرته مؤسسة "بلومبرغ"، بلغت الخسائر الإجمالية لسوق الأسهم الأمريكية منذ فوز ترامب في الانتخابات عام 2016 نحو 6.5 تريليون دولار. هذه الخسائر الهائلة تعكس مدى التأثير السلبي للحرب التجارية في ثقة المستثمرين وأداء الأسواق المالية.

كانت شركات التكنولوجيا الأمريكية من أكثر المتضررين من هذه السياسة، وخسرت أكبر ست شركات تكنولوجيا في الولايات المتحدة ومنها آبل ومايكروسوفت وأمازون، مجتمعة ما يقارب 2.2 تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ بداية العام، وهذا الرقم الهائل يتجاوز إجمالي القيمة السوقية للبورصتين الأسترالية والنيوزيلندية مجتمعتين، ما يوضح حجم الضرر الذي لحق بقطاع التكنولوجيا، الذي يُعد أحد أهم أركان الاقتصاد الأمريكي.

لم تكن الخسائر مقتصرة على وول ستريت وشركات التكنولوجيا فحسب، بل امتدت لتشمل الاقتصاد الأمريكي بأكمله، ووفقاً لتقرير صادر عن "معهد بروكينغز"، أدت الحرب التجارية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث انخفض معدل النمو السنوي من 2.9% في عام 2018 إلى 2.3% في عام 2019، كما أدت الرسوم الجمركية إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بالنسبة للشركات الأمريكية، التي اضطرت لدفع مبالغ إضافية على المواد الخام والمكونات المستوردة.

المواطن الأمريكي كان الضحية الكبرى في هذه المعادلة، فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج، قامت الشركات بتحميل هذه التكاليف على المستهلكين عبر رفع أسعار السلع والخدمات، ووفقاً لدراسة أجرتها "جامعة هارفارد"، أدت الرسوم الجمركية إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة تصل إلى 3% في بعض القطاعات، وهذا الارتفاع في الأسعار جاء في وقت يعاني فيه العديد من الأمريكيين تبعات جائحة كورونا التي أدت إلى فقدان ملايين الوظائف وتراجع الدخل الفردي.

بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب التجارية إلى زيادة العجز في الميزانية الفيدرالية، ما دفع الحكومة إلى فرض ضرائب إضافية على المواطنين وفقاً لبيانات صادرة عن "وزارة الخزانة الأمريكية"، ارتفعت الضرائب الفيدرالية بنسبة 5% في عام 2020 مقارنة بالعام السابق، ما زاد من العبء المالي على الأسر الأمريكية.

لم تقتصر الآثار السلبية للحرب التجارية على الاقتصاد المحلي فحسب، بل امتدت لتشعل توترات في العلاقات الدولية مع الصين، التي كانت الهدف الرئيسي لرسوم ترامب الجمركية، ردت بفرض رسوم مماثلة على المنتجات الأمريكية، ما أدى إلى تراجع الصادرات الأمريكية إلى الصين بنسبة 12% في عام 2019، وفقاً لبيانات "منظمة التجارة العالمية" كما أدت هذه السياسة إلى إضعاف التحالفات التجارية التقليدية للولايات المتحدة، حيث شعرت دول مثل كندا والاتحاد الأوروبي بالاستياء من الإجراءات الأحادية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية.

وزادت جائحة كورونا من تعقيد الأوضاع الاقتصادية. مع تراجع النشاط الاقتصادي العالمي، ووجدت الشركات الأمريكية نفسها في موقف صعب، حيث انخفض الطلب على منتجاتها في الأسواق الدولية. وفقاً لتقرير صادر عن "صندوق النقد الدولي"، انكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3.5% في عام 2020، ما أدى إلى تفاقم الخسائر التي سببتها الحرب التجارية.

استخدام الرسوم الجمركية سلاحًا في الحروب التجارية أثبت أنه استراتيجية محفوفة بالأخطار بدلاً من تحقيق المكاسب الاقتصادية المرجوة، أدت هذه السياسة إلى خسائر فادحة للاقتصاد الأمريكي، بدءاً من انهيار قيم الشركات الكبرى، مروراً بتباطؤ النمو الاقتصادي، ووصولاً إلى معاناة المواطن الأمريكي من ارتفاع الأسعار والضرائب. 

الاقتصاد الأمريكي في مواجهة التحديات

شهدت السياسة الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولات جذرية، حيث اعتمد على الرسوم الجمركية كسلاح رئيسي في الحرب التجارية، ما أثار تساؤلات حول مدى فعاليتها وتأثيرها في الاقتصاد الأمريكي والمواطنين.

قبل وصوله إلى الحكم، أجرى ترامب دراسات مكثفة حول الاقتصاد، ما انعكس في قراراته الأولى، مثل إلغاء تصنيع السيارات في المكسيك لحماية فرص العمل الأمريكية. لكن رغم أن هذه السياسات حفّزت السوق المحلي على المدى القصير، إلا أنها كشفت عن عيوبها على المدى البعيد.

ووفقاً للخبير الاقتصادي رشاد عبده، فإن فرض الرسوم الجمركية على الواردات من الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك كان يهدف إلى حماية الصناعات المحلية، لكنه جاء بنتائج عكسية، إذ أدّى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما اضطر الشركات الأمريكية إلى تحميل هذه التكاليف على المستهلكين، ما رفع أسعار السلع والخدمات.

انعكاسات سلبية على الاقتصاد والمواطنين

وأوضح عبده في تصريحه لـ"جسور بوست" أن النمو الاقتصادي الأمريكي تأثر بهذه السياسات، حيث تراجع من 2.9% عام 2018 إلى 2.3% عام 2019، وفقًا لـ"معهد بروكينغز"، كما أدّت الرسوم الجمركية إلى ارتفاع العجز في الميزانية الفيدرالية، ما دفع الحكومة إلى زيادة الضرائب بنسبة 5% عام 2020، وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، ما زاد الأعباء على الأسر الأمريكية.

أدّت الحرب التجارية إلى تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها، حيث فرضت الصين رسوماً مضادة، ما تسبب في تراجع الصادرات الأمريكية إليها بنسبة 12% عام 2019، وفقاً لمنظمة التجارة العالمية، كما تضررت العلاقات التجارية مع كندا والاتحاد الأوروبي، ما أضعف التحالفات الاقتصادية التقليدية.

مع تفشي جائحة كورونا وتراجع النشاط الاقتصادي العالمي، واجهت الشركات الأمريكية تحديات إضافية، حيث تراجع الطلب على منتجاتها في الأسواق الدولية، ما زاد من الضغوط على الاقتصاد الأمريكي وأضعف أثر سياسات الحماية التجارية.

صراعات استراتيجية 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي صلاح الدين فهمي أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو ساحة لصراعات استراتيجية تُدار بحذر، فالحروب التجارية، مثل تلك التي خاضها ترامب، تؤدي غالباً إلى تداعيات عكسية، إذ لا تقتصر آثارها على الشركات الكبرى فقط، بل تمتد لتؤثر في معيشة الأفراد وارتفاع تكلفة الحياة.

ويشير فهمي في تصريحه لـ"جسور بوست" إلى أن الاقتصاد الأمريكي يعتمد على توازن معقد بين القطاعين العام والخاص، حيث تسهم الشركات الكبرى في دعم الاقتصاد من خلال الابتكار وفرص العمل، لكن الأزمات الاقتصادية تؤدي إلى تحديات كبيرة، مثل ارتفاع معدلات البطالة واتساع الفجوة الاجتماعية.

مع تصاعد التحديات الاقتصادية العالمية، تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر توازنًا، تركز على التعاون الدولي بدلًا من المواجهات التجارية، وكما يؤكد فهمي، فإن الاقتصاد القوي هو الذي يوفر فرصاً عادلة للجميع، لا يقتصر على الأرباح، بل يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل الفجوات الاقتصادية، وهو التحدي الأكبر أمام صناع القرار في العالم اليوم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية